الشنقيطي
251
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
بوجوبها ؛ هل يجب عليه قضاؤها أو لا يجب عليه . فقد قدمنا خلاف العلماء في كفره ، فعلى القول بأنه كافر مرتد يجري على الخلاف في المرتد ، هل يجب عليه قضاء ما فاته في زمن ردته أو لا يجب عليه . واعلم أولا أن الكافر تارة يكون كافرا أصليا لم يسبق عليه إسلام ، وتارة يكون كافرا بالردة عن دين الإسلام بعد أن كان مسلما . أما الكافر الأصلي فلا يلزمه قضاء ما تركه من العبادات في حال كفره وهذا لا خلاف فيه بين علماء المسلمين ؛ لأن اللّه تعالى يقول : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [ الأنفال : 38 ] وقد أسلم في عصر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم خلق كثير فلم يأمر أحدا منهم بقضاء شيء فائت كفره . وأما المرتد ففيه خلاف بين العلماء معروف . قال بعض أهل العلم : لا يلزمه قضاء ما تركه في زمن ردته ، ولا في زمن إسلامه قبل ردته ، لأن الردة تحبط جميع عمله وتجعله كالكافر الأصلي عياذا باللّه تعالى ؛ وإن كان قد حج حجة الإسلام أبطلتها ردته على هذا القول ؛ فعليه إعادتها إذا رجع إلى الإسلام . وتمسك من قال بهذا بظاهر قوله تعالى : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [ الزمر : 65 ] الآية ، وقوله وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 5 ) [ المائدة : 5 ] . وقال بعض أهل العلم : يلزمه قضاء ما تركه من العبادات في زمن ردته وزمن إسلامه قبل ردته ، ولا تجب عليه إعادة حجة الإسلام ؛ لأن الردة لم تبطلها . واحتج من قال بهذا قوله تعالى : وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ [ البقرة : 217 ] الآية . فجعل الموت على الكفر شرطا في حبوط العمل . وبالأول قال مالك ، ومن وافقه . وبالثاني قال الشافعي ، ومن وافقه . وهما روايتان عن الإمام أحمد . وقد ذكرنا في غير هذا الموضع : أن قول قول الشافعي ومن وافقه في هذه المسألة أجري على الأصول ؛ لوجوب حمل المطلق على المقيد ، ولا سيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا . وأما على قول الجمهور بأنه غير كافر فقد اختلفوا أيضا في وجوب القضاء عليه . اعلم أولا أن علماء الأصول اختلفوا في الأمر بالعبادة المؤقتة بوقت معين ، هل هو يستلزم الأمر بقضائها بعد خروج وقتها من غير احتياج إلى أمر جديد بالقضاء أو لا يستلزم القضاء بعد خروج الوقت ، ولا بد للقضاء من أمر جديد ، فذهب أبو بكر الرازي من الحنفية وفاقا لجمهور الحنفية إلى أن الأمر بالعبادة الموقتة يستلزم الأمر بقضائها بعد خروج الوقت من غير احتياج إلى أمر جديد ، واستدلوا لذلك بقاعدة هي قولهم : الأمر بالمركب أمر بكل جزء من أجزائه ، فإذا تعذر بعض الأجزاء لزم فعل بعضها الذي لم يتعذر . فالأمر بالعبادة الموقتة